انشقاق القمر في القرآن: ماذا تقول سورة القمر 54:1؟

آيات ومعجزات

انشقاق القمر في القرآن: ماذا تقول سورة القمر 54:1؟

انشقاق القمر من أشهر الأحداث في التراث الإسلامي. وهو حدث خارق للعادة ورد ذكره في القرآن الكريم، كتاب المسلمين المقدس.

آخر تحديث:

يعتقد المسلمون، وفق المعتقد الإسلامي التقليدي، أن الله منح النبي محمدًا ﷺ معجزة مرئية انقسم فيها القمر إلى قسمين ثم التأم من جديد. وقع هذا الحدث في مكة المكرمة قبل هجرة النبي إلى المدينة المنورة.

هذا المقال

أربع طرق للنظر في الأمر

ما يقوله القرآن

كلمات سورة القمر ومعناها.

كيف يفسّره العلماء

التفسير الكلاسيكي وروايات الحديث.

ما يسجّله التاريخ

روايات من خارج الجزيرة العربية، وما تستطيع إثباته وما لا تستطيع.

ما يظهره العلم

مزاعم شائعة عن القمر، ومقارنتها بالأدلة.

النص

ماذا يقول القرآن؟

يرد ذكر هذا الحدث أولًا في مطلع السورة الرابعة والخمسين من القرآن، وهي سورة القمر.

ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ۝ وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ

اقتربت القيامة وانشق القمر. ومع ذلك، كلما رأوا آية أعرضوا وقالوا: “سحر مستمر”.

القرآن 54:1–2

معنى الآية بعبارة بسيطة

تتضمن الآية الأولى أمرين:

  • “اقتربت الساعة”. أي إن يوم القيامة يقترب. وفي التعليم الإسلامي، بعثة النبي محمد ﷺ علامة على أن المرحلة الأخيرة من تاريخ البشرية قد بدأت.
  • “وانشق القمر”. أي انقسم القمر إلى قسمين.

وتصف الآية الثانية ردّ فعل الكافرين في مكة. فبدل أن يقبلوا الحدث دليلًا على قدرة الله، رفضوه وقالوا إن ما رأوه ليس إلا سحرًا أو وهمًا.

العبارة العربية “انشق القمر”

العبارة الواردة في القرآن هي انشَقَّ الْقَمَرُ.

  • الفعل شقّ يعني قطع الشيء أو فلقه إلى قطع منفصلة.
  • والاسم القمر هو الجرم المعروف في السماء.

فالمعنى الأصلي الحرفي إذن هو “القمر انفلق” أو “القمر انقسم”.

الرأي الكلاسيكي

كيف فهم العلماء المسلمون الأوائل الآية

العلماء المسلمون الأوائل هم كبار الخبراء الذين درسوا القرآن وشرحوه عبر التاريخ. ورأيهم الرئيسي أن انشقاق القمر معجزة حقيقية حسّية شهدها الناس في مكة.

المعجزة هي حدث خارق للعادة يتجاوز القوانين الطبيعية المعتادة. ويمنح الله المعجزات للأنبياء ليُظهر للناس أنهم مرسَلون منه حقًّا.

مشاهير العلماء الأوائل

  • ابن كثير (1300–1373 م): مفسّر ومؤرخ مشهور. جمع في تفسيره لهذه الآية روايات ابن مسعود وابن عباس وأنس وجبير بن مطعم، وعدّها، مثل العالم الأقدم الطحاوي، متواترة: أي رواها عدد كبير جدًا من الناس بحيث يستحيل أن يتفقوا على اختلاقها.
  • الطبري (839–923 م): من أقدم علماء تفسير القرآن. نقل أقوالًا كثيرة عن شهود من الجيل الأول وصفوا رؤيتهم القمر ينقسم إلى قسمين واضحين فوق جبال مكة.
  • القرطبي (1214–1273 م): عالم محترم من الأندلس الإسلامية. بيّن أن الكافرين سمّوه “سحرًا” لأنهم رأوه بأعينهم، لكنهم أرادوا عذرًا لرفض الرسالة.

وأشار هؤلاء العلماء إلى أنه لو لم يكن الحدث مرئيًّا لأهل مكة لاتهموا النبي فورًا بالكذب. لكنهم اعترفوا بأنهم رأوا شيئًا غير مألوف، ثم حاولوا ردّه بأنه سحر.

الروايات

ماذا تقول روايات الحديث؟

في الإسلام، الحديث هو ما نُقل من أقوال النبي محمد ﷺ وأفعاله وتقريراته عن طريق أصحابه. وتتضمن كتب الحديث الكبرى، مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم، عدة روايات عن انشقاق القمر.

أهم روايات شهود العيان

عبد الله بن مسعود

كان مع النبي ﷺ في منى، قرب مكة، حين وقع الحدث. وروى أن القمر انقسم إلى قسمين، أحدهما فوق الجبل والآخر دونه، وأن النبي ﷺ قال للحاضرين: “اشهدوا”. (صحيح البخاري 4864؛ صحيح مسلم 2800.) وفي رواية أخرى يضيف أنه رأى الجبل بين النصفين.

وفي رواية أخرى أخرجها الطيالسي ونقلها كتاب معارف القرآن، أن المسافرين القادمين إلى مكة من أماكن أخرى سُئلوا، فأكدوا أنهم رأوا القمر هم أيضًا في قسمين.

أنس بن مالك

روى أن أهل مكة طلبوا من النبي ﷺ أن يُريهم آية، فأراهم انشقاق القمر (صحيح البخاري 3637). وتضيف رواية أنهم رأوا جبل حراء بين النصفين؛ وفي صحيح مسلم رواية تقول إن ذلك حدث مرتين. ولاحظ العالم ابن حجر أن رواية أنس هي الوحيدة التي تربط الحدث بطلب أهل مكة آية.

جبير بن مطعم

روى أن القمر انشق في حياة النبي ﷺ إلى قسمين، أحدهما على هذا الجبل والآخر على ذاك. فقال بعض قريش: “سحرنا محمد”، وردّ آخرون بأنه لو سحرهم لما استطاع أن يسحر الناس جميعًا. (جامع الترمذي 3289؛ مسند أحمد.)

ورُوي الحدث أيضًا عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما في صحيح البخاري وصحيح مسلم.

يصنّف علماء المسلمين هذه الروايات على أنها متواترة. ومعنى ذلك أن القصة رواها شهود مستقلون كثيرون في أماكن مختلفة، بحيث يستحيل أن يكونوا قد اتفقوا على اختلاقها.

قراءات أخرى

هل هناك تفسيرات أخرى؟

تمسّك أكثر العلماء بالرأي التقليدي، لكن بُحثت عبر التاريخ بعض التفسيرات البديلة.

1. الرأي المتعلق بآخر الزمان (الأخروي)

ذهب بعض المفسرين الأوائل، مثل الحسن البصري وعطاء الخراساني، وبعض العلماء المعاصرين، مثل الشنقيطي، إلى أن الآية تصف حدثًا سيقع في المستقبل يوم القيامة، لا حدثًا مضى. كما ينقل مفسرون مثل الماوردي والزمخشري هذا القول إلى جانب القول بالمعجزة.

  • الحجة: في العربية يُستعمل الفعل الماضي أحيانًا للتعبير عن أحداث مستقبلية مؤكدة الوقوع. وهذا الأسلوب موجود في مواضع عدة من القرآن.
  • لماذا خالفهم العلماء التقليديون: رفض علماء مثل ابن كثير هذا القول. واستدلوا بالآية 54:2: “وإن يروا آية يعرضوا…”، وهي تدل على أن الناس رأوا آية بالفعل في حياتهم ورفضوها. أما يوم القيامة فسيعرف الجميع الحقيقة، ولن يستطيع أحد أن يسمّيها “سحرًا”.

2. الرأي الرمزي أو رأي الخسوف

اقترح بعض فلاسفة العصور الوسطى، وبعض الكتّاب والباحثين الأكاديميين المعاصرين، أن الوصف رمزي، أو أنه يشير إلى خسوف للقمر فُهم علامةً على نهاية الزمان.

لكن العلم الإسلامي المعتمد يفرّق بوضوح بين القراءات الرمزية والنصوص الصريحة. ويؤكد العلماء التقليديون أن النص القرآني والروايات التفصيلية للحديث تصف معجزة حسّية حقيقية، لا خسوفًا عاديًّا للقمر.

السجل التاريخي

ماذا يخبرنا التاريخ؟

يسأل كثير من الناس: هل تذكر السجلات التاريخية من مناطق أخرى من العالم انشقاق القمر؟

سجلات تاريخية صامتة

لا توجد سجلات معروفة باقية من روما القديمة أو فارس أو الصين تصف انشقاق القمر في القرن السابع الميلادي. وقد قدّم العلماء الأوائل عدة تفسيرات:

  • فروق التوقيت: حين يكون الليل في مكة يكون النهار في مناطق كبرى أخرى من العالم، مثل الأمريكتين أو شرق آسيا.
  • عادات النوم والطقس: لم تكن في العالم القديم مصابيح للشوارع كما اليوم، وكان معظم الناس يلزمون بيوتهم بعد الغروب. كما أن الغيوم أو سوء الطقس قد يمنع الناس في المناطق القريبة من رؤية السماء.
  • قصر المدة: تشير روايات الحديث إلى أن الحدث لم يدم إلا وقتًا قصيرًا ثم عاد القمر والتأم.

رواية الملك الهندي (كيرالا)

في جنوب الهند رواية مشهورة عن الملك شكرافارتي شيرامان بيرومال من منطقة مالابار (كيرالا اليوم).

  • القصة: تقول الأسطورة المحلية إن الملك كان يتمشى ليلًا على شرفة قصره فرأى القمر ينقسم إلى نصفين ثم يلتئم. فاستغرب، ودوّن الحدث، وسأل المنجّمين عنده. ثم زار تجار عرب مملكته وأخبروه بأن نبيًّا في الجزيرة العربية أظهر هذه المعجزة. فتخلّى الملك عن عرشه، وسافر إلى الجزيرة العربية ليلتقي النبي محمد ﷺ، وأسلم.
  • الحالة التاريخية: هذه القصة عزيزة جدًّا على أهل جنوب الهند، وترتبط بمسجد شيرامان جمعة في كودونغالور، ويُعدّ من أقدم المساجد في الهند. غير أن المؤرخين الأكاديميين يلاحظون أن النسخ المكتوبة من الأسطورة ظهرت بعد قرون، ولذلك يصنّفونها أسطورة إقليمية تقليدية لا سجلًّا تاريخيًّا موثّقًا بالكامل.
العلم الحديث

ماذا يقول لنا العلم الحديث؟

تنتشر على الإنترنت مزاعم شائعة بأن وكالة ناسا أثبتت أن القمر انقسم مرة إلى نصفين.

ماذا تقول المزاعم الشائعة

تزعم بعض المواقع أن صور ناسا تُظهر شقًّا هائلًا يحيط بمحيط القمر كله، وأن ذلك دليل على أنه قُطع إلى نصفين ثم التأم.

ماذا تُظهر الأدلة العلمية

الأدلة العلمية لا تدعم هذه المزاعم.

  • موقف ناسا: صرّح علماء وجيولوجيو الكواكب في ناسا بأنه لا يوجد دليل جيولوجي على أن القمر انقسم يومًا إلى قطعتين ثم التأم.
  • الأخاديد القمرية: تُظهر صور المهمات القمرية خنادق طويلة وضيقة تسمى الأخاديد (مثل ريما أريادايوس). ويفسّرها الجيولوجيون بأنها تكوينات طبيعية نشأت من نشاط بركاني قديم ومن تمدد قشرة القمر قبل مليارات السنين. وهي لا تحيط بالقمر.
فهم أنواع الأدلة المختلفة
نوع الدليلعلى ماذا يقوم
الاعتقاد الدينيالإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي رُويت بطرق كثيرة.
السجل التاريخيسجلات مكتوبة قديمة، وهي صامتة خارج الروايات المحلية.
السجل العلميبيانات فيزيائية وقياسات جيولوجية تُظهر تكوينات طبيعية لا انشقاقًا فعليًّا.

الفرق بين الإيمان والعلم

من المهم التمييز بين الاعتقاد الديني والبحث العلمي:

  • العلم يدرس عمليات طبيعية منتظمة قابلة للتكرار يمكن قياسها اليوم.
  • المعجزات، بحكم تعريفها، أحداث نادرة خارقة للطبيعة يوقعها الله وتوقف مؤقتًا القوانين الطبيعية المعتادة.

ولأن المعجزة تتجاوز القانون الطبيعي، لا يعتمد علماء المسلمين المعتبرون على نظريات علمية أو مزاعم الإنترنت لإثبات إيمانهم. وبالنسبة للمؤمنين، يُقبل الحدث بالإيمان بنص القرآن وبالأحاديث النبوية الصحيحة.

ولنظرة أوسع على كيفية قراءة أوصاف الطبيعة في القرآن في ضوء العلم الحديث، بما في ذلك الشمس والقمر وحركة الأجرام، انظر المقال البحثي عن العلم في القرآن.

لماذا هو مهم

لماذا هذه المعجزة مهمة في الإسلام؟

تحمل قصة انشقاق القمر دروسًا روحية عميقة للمسلمين:

  • دليل على النبوةفي المعتقد التقليدي، أظهر الحدث أن الله أيّد النبي محمدًا ﷺ بآيات عظيمة حين شكّك قومه في رسالته.
  • تذكير بقدرة اللهخلق الله الكون، وله القدرة التامة على كل جرم سماوي.
  • درس في العمى الروحيتبيّن الآية 54:2 أن الإنسان إذا أبى أن يفتح قلبه للحق، فلن تقنعه آية عظيمة في السماء. بل سيجد عذرًا لردّها.
  • الصلة بالساعة الأخيرةيرتبط الحدث برسالة مفادها أن للحياة الإنسانية غاية، وأن يوم القيامة حقيقة تقترب.
الخلاصة

الخاتمة

انشقاق القمر حدث مهم تناولته كتب التفسير والتاريخ الإسلامي. وخلاصة الأمر:

  • القرآنتذكر سورة القمر (54:1–2) أن القمر انشق وأن الكافرين سمّوه سحرًا.
  • العلماء الأوائلخلصوا إلى أن الحدث معجزة حسّية أجراها الله في زمن النبي بمكة.
  • الحديثتصف روايات كثيرة صحيحة لشهود العيان هذا الحدث.
  • التفسيرات البديلةيرى رأي الأقلية أنه حدث من أحداث آخر الزمان، لكن المعجزة التاريخية تبقى هي المعتقد التقليدي الرئيسي.
  • التاريخ والعلمالسجلات التاريخية خارج الجزيرة العربية صامتة، والعلم الجيولوجي يُظهر تكوينات سطحية طبيعية لا انشقاقًا فعليًّا.

يبقى هذا الحدث عند المسلمين جزءًا مهمًّا من التاريخ الديني يعكس قدرة الله والآيات النبوية ودروس الإيمان.

المراجع

المصادر والمراجع

القرآن الكريم
سورة القمر (54:1–2).
تفسير ابن كثير
تفسير سورة القمر للحافظ ابن كثير.
تفسير الطبري
جامع البيان، لمحمد بن جرير الطبري.
صحيح البخاري
كتاب التفسير، حديث 4864؛ كتاب المناقب، حديث 3637 (أنس).
صحيح مسلم
كتاب صفات القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، حديث 2800.
جامع الترمذي
تفسير سورة القمر، حديث 3289 (جبير بن مطعم)؛ وانظر أيضًا مسند أحمد.
معارف القرآن
المفتي محمد شفيع، تفسير سورة القمر 54:1.
الدراسات القرآنية الأكاديمية
تحليل للتفسير الكلاسيكي وتاريخ النص.
علم القمر وتصريحات ناسا
تقييم جيولوجي للأخاديد القمرية وتكوّن القشرة.
تابع القراءة

اكتشف المزيد على نور التقوى

مفاهيم ذات صلة

مجالات ذات صلة

المزيد من الأبحاث القرآنية

آدم وحواء في الإسلام: ماذا يقول القرآن؟قصة آدم وحواء في الإسلام من أهم القصص التأسيسية في القرآن، فهي تشرح كيف بدأت حياة الإنسان، وكيف تعمل الوسوسة، وكيف يتعامل الله مع البشر.ذو القرنين في القرآن: من هو؟ ماذا تقول سورة الكهف 18:83–98؟ذو القرنين من أكثر الشخصيات إثارةً للنقاش في القرآن. وهو حاكم قوي يسافر إلى الشرق والغرب، ويعامل الناس بالعدل، ويبني سدًّا ضد يأجوج ومأجوج.إبراهيم والنار في القرآن: ماذا تقول سورة الأنبياء 21:68–70؟قصة إبراهيم (أبراهام) والنار من أشهر القصص في القرآن الكريم. وهي تحكي كيف وقف نبيٌّ في وجه عبادة الأصنام، وواجه الموت حرقًا، ونجّاه الله بأمره.الإسراء والمعراج: رحلة النبي محمد ﷺ الليلية وعروجه إلى السماواتالإسراء والمعراج هو الليلة التي أُسري فيها بالنبي محمد ﷺ من مكة إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به عبر السماوات. يذكر القرآن رحلة الإسراء، وتأتي تفاصيل المعراج في الأحاديث الصحيحة.عيسى في القرآن: ماذا يقول القرآن عن عيسى؟عيسى عليه السلام له مكانة مهمة جدًّا في القرآن، الذي يصفه بأنه نبي ورسول والمسيح وآية عظيمة من آيات قدرة الله.مريم في القرآن: قصتها وإيمانها ومكانتهامريم هي المرأة الوحيدة المذكورة باسمها في القرآن، وفي القرآن سورة كاملة تحمل اسمها هي سورة مريم.